السكن الاجتماعي وانتظارات المغاربة .. ملايير تتبخّر على شقق بلا جودة

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
1

هسبريس ـ يوسف لخضر

السبت 22 دجنبر 2018 - 15:00

لا يزال المغرب، إلى حد الساعة، يُحارب السكن العشوائي الذي تناسل على جوانب المدن ووسطها نتيجة التطور الديمغرافي والهجرة القروية التي عرفتها المملكة عقب الاستقلال، وما واكب ذلك من نمو حضري يسير بسرعة كبيرة؛ لكن سوق العقار في المغرب لا يزال، إلى حدود الساعة، يعرف اختلالاً ومشاريع السكن الموجه إلى الفقراء والطبقة الدنيا لا يؤدي أهدافه بتوفير سكن لائق.

ويعود تدخل الدولة في هذا القطاع إلى أكثر من عشرين سنة، حيث أعدت الحكومات المتعاقبة عدداً من السياسات والبرامج والآليات من أجل إيجاد حلول لمشاكل لا يبدو أنها ستحل حتى على المدى المتوسط؛ فحتى الدعم غير المباشر الذي توفره الدولة للمنعشين العقاريين لتوفير السكن الاجتماعي بات اليوم ينفر منه، ولم يعد يغري المغاربة.

وفي العقد الأخير، اعتمدت الحكومة آليتين موجهتين إلى السكن الاجتماعي: الأولى أُحدثت سنة 2008 لتطوير عرض سكني بقيمة 14 مليون سنتيماً، وفي سنة 2010 تم إحداث آلية جديدة لدعم إنتاج السكن الاجتماعي بمواصفات لا تتجاوز قيمتها 25 مليون درهم، وكان لها تأثير كبير على الآلية الأولى.

وجاء هذا التأثر السلبي بسبب عدم وضوح الغايات وضُعف التكامل بين برامج السكن؛ وهو ما سبق أن أشار إلى المجلس الأعلى للحسابات في تقرير سابق له، حيث أثار غياب دراسات قبلية لبلورة آليات إنتاج السكن الاجتماعي ما يجعل من الصعب تحديد الدوافع وراء إحداثها والغايات المتوخاة منها.

وأقرت الدولة وما زالت امتيازات ضريبية مهمة للقطاع من خلال الإعفاء الضريبي لفائدة المنعشين العقاريين والاستفادة من أراضي الدولة بأثمنة تفضيلية في إطار اتفاقيات شراكة مبرمة بين شركات العمران العمومية وين القطاع الخاص، وقد قُدرت النفقات الضريبية التي خصصت لآليات إنتاج السكن بحوالي 15 مليار درهم إلى حدود 2015 تبلغ فيها حصة الدولة النسبة الأكبر والنسبة الصغرى للجماعات القروية.

وتواجه وزارة السكنى وسياسة المدينة، التي أشرف عليها في السنوات الماضية وزيران من حزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله سابقاً وعبد الأحد الفاسي حالياً، انتقادات في هذا الصدد؛ فقد يتبين من خلال تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن هذا القطاع الحكومي لا يستغل بيانات ومعطيات الدراسة حول الطلب على السكن لسنة 2016 والإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 من أجل ضبط وتحديد طبيعة ومناطق وجود الاحتياجات السكنية وبالتالي الوصول إلى توجيه أفضل للسياسة العمومية على الصعيدين المحلي والجهوي.

ويتجلى ذلك من كون وضع آليات إنتاج السكن الاجتماعي يتم دون الأخذ بعين الاعتبار حاجيات وخصوصية كل جهة على حدة، وفي ظل غياب آليات لتقنين العرض يتسبب هذا النهج في خلق اختلالات في إنتاج هذا النوع من السكن. ويتجلى هذا الوضع مثلاً في الدار البيضاء، التي وصل فيها إنتاج شقق 25 مليون سنتيم نهاية سنة 2016 حوالي 80 ألف وحدة؛ وهو عدد يفوق الاحتياجات المقدرة في حدود 22 ألف، وهو يعني إفراطاً في الإنتاج بأكثر من 355 في المائة، الشيء نفسه بالنسبة إلى جهة الرباط وجهة فاس والجهة الشرقية.

2

وينتج هذا الإفراط الراجع إلى شجع المنعشين العقاريين الساعين وراء الربح بالدرجة الأولى وغياب الرؤية والمراقبة والتقنين من لدن السلطات المعنية إلى عدم نجاعة آليات الاستهداف وبالتالي تراكم عدد الشقق الشاغرة وغير المستغلة من لدن أصحابها، بالإضافة إلى الارتفاع في النفقات الضريبية للدولة تجاه السكن الاجتماعي في جهات معدودة؛ وهو مجهود مالي كبير للدولة كان بالأحرى أن يتم توجيهه إلى مناطق أخرى.

ويرى عبد الله علالي، رئيس الشبكة المغربية من أجل السكن اللائق، أن إشكالية السكن في المغرب "معقدة جداً وتعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال التي تميزت بغياب رؤية واضحة وشاملة فيما يخص التخطيط العمراني لتدبير موجة النزوح الكبير التي عرفها المغرب انطلاقاً من القرى نحو المدن".

وأضاف علالي، في حديث لهسبريس، أن هذا العوامل أدت إلى ظهور مساكن عشوائية وضمن المدن الصفيحية؛ لكن هذه المعضلة لم تفكر فيها الدولة حتى أواخر الثمانينيات من خلال الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق التي ستتحول سنة 2007 بضمها إلى مؤسسات أخرى إلى مجموعة العُمران، كأداة لتنفيذ السياسات العمومية في مجال السكنى.

وأشار المتحدث إلى أن "السياسات العمومية التي اعتمدتها الدولة فيما يخص معالجة مشكل السكن منذ سنة 2004 باءت بالفشل، ولم تجب بالشكل المطلوب على معضلة كبيرة كالصفيح من خلال آليتي سكن 14 مليون سنتيم وسكن 25 مليون سنتيم، والدليل هو استمرار مظاهر الصفيح في المدن الكبيرة مثل الدار البيضاء والرباط وفاس وغيرها".

ويرى رئيس الشبكة المغربية من أجل السكن اللائق أن مقاربة الدولة في مجال السكن لم تستجب لحاجيات الأجيال المتعاقبة. ويربط هذا الفشل، حسب علالي، بأسباب متعددة؛ أبرزها غياب التشخيص الدقيق والمُحكم للمستفيدين من السكن المدعم من طرف الدولة، إضافة إلى هشاشة وفقر فئة كبيرة من المواطنين الذي لا يقدرون على أداء أقساط السكن الاحتجاجي.

ويضيف المتحدث قائلاً: "هناك مواطنون لا يتوفرون حتى على الحد الأدنى للأجر وأغلبهم بدون عمل، فكيف يمكن أن يستفيد من هذا السكن منخفض التكلفة؟ كما أن هذا السكن بات المواطنون ينفرون منه بسبب غياب الجودة، لأن المنعش العقاري بصفة عامة يهمه هامش الربح والذي يصل حتى 40 في المائة في الشقة الواحدة".

ويؤكد علالي أن "حل معضلة السكن في المغرب لا يجب أن يراها المسؤولون مقتصرة فقط في إخلاء السكان من البراريك ونقلهم إلى بناء جديد عصري، بل يجب على هذا البناء أن يستوفي الشروط المطلوبة ليكون سكناً لائقاً من حيث الجودة والمساحة والمرافق الضرورية والأسعار".

ويثير رئيس الشبكة المغربية من أجل السكن اللائق أيضاً إشكالية ارتفاع نسبة القروض البنكية في المغرب، ويعتبرها معضلة كبيرة؛ لأن الفوائد البنكية المرتفعة تحول سكن 25 مليون سنتيم إلى 40 مليون سنتيم "مقابل مسكن عادي بمساحة متواضعة، عوض مسكن يأخذ بعين الاعتبار أفراد الأسرة؛ وهو ما يتطلب ذلك من مساحة كافية للأبناء".

هذا الوضع الذي تعيشه برامج الدولة في مجال السكن الاجتماعي بمختلف أنواعه تعمقه أيضاً أزمة العقار بصفة عامة والتي تعرف ركوداً مستمراً منذ سنوات؛ وهو ما بات يدفع المنعشون إلى عرض منتجات سكنية بديلة للشقق الاقتصادية من حيث الأسعار والمساحة وتقديمها مُجهزةَ نسبياً أملاً في استقطاب الزبناء من جديد.

3

أخبار ذات صلة

0 تعليق