بنسالم حميش ينثر "ملح النقد" بإعادة الاعتبار إلى أدب السجال

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
1

بنسالم حميش

السبت 12 يناير 2019 - 03:00

السجال معتمِدا الدرس والتحليل لهو ملح النقد وحماسة الفكر، وهو المضاد الحيوي للسان الخشبي وبرودة النظر وفتوره وسلوك الذم والهجاء، ولذلك قال أبو حيان التوحيدي: «قال حاتم: لا تنظر إلى من قال بل انظر إلى ما قال». وكتب الفيلسوف الفرنسي گاستون باشلار: «إن المعرفة المتماسكة هي نتاج العقل السجالي وليس العقل المعماري». وهذا بيانه:

إذا كان فلاسفة المعرفة، كجان توسان دوسنتي، وبالأخص گاستون باشلار، قد أقروا داخل الممارسة العلمية بالسجال ضد الخطأ والوهم ورتابة العادات، وجعلوه سمادا يتغذى به تقدم التفكير العلمي ويتحرر، فما بالنا بوضعه ودوره داخل الثقافة التي لا تحيا إلا بالمطارحة والتواصل بالأفكار والقضايا، أو ما أسماه التوحيدي "المثاقفة".

وبالتالي وحدهم المؤدلجون أو "الطبوليون" (كما يسميهم الغزالي) يدّعون لأنفسهم العصمة والمنأى عن الخطأ. أما كبار المفكرين والعلماء فمنهم من يدركونون غلطاتهم وهم أحياء، فيصوبونها. ومنهم من يعوِّلون على الخلف للقيام بذلك، كأنما تصح عليهم قولة عمر بن الخطاب: «رحم الله عبدا أهدى إلينا مساوينا»، أو دعوة ابن خلدون قراء كتابه العارفين إلى «النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء».

في لسان العرب لابن منظور: «قالوا الحرب سجال أي مداولة بين الفرقاء. وساجل: بارى وتبارى». أما في اللغات الأوروبية، فكلمة بوليميك أُخذت من بوليميكوس اليونانية، المشتقة من بوليموس ومعناها لغةً الحرب. لكن، فوق المعاني اللغوية، يحسن بنا أن نقف عند معنى السجال اصطلاحا، وهو النقد مخلصا من جفاف التقاليد الأكاديمية، أي معززا بقوة الصدق وحيوية المناظرة والمجادلة. وقد لا نختلف في كونه الخميرة الصالحة لكل ثقافة ترغب في الحياة بدلاً عن التحنيط والتحجر، وفي الحركة والتحريك بدلاً عن الانحباس والتقوقع.

لقد عرفنا عهوداً مضت من تاريخ آدابنا كانت القرائح فيها تتقد، والأذهان تنتفض، والمعارك تقوم حول قضايا ومشاغل فكرية جوهرية، فنهضت بها ومعها المعارف في اللغة والتفسير والفقه، وفي الكلام والتصوف والفلسفة، وحتى في العلوم الطبيعية؛ وكان المحفز الأساس الذي هو البحث والنظر يتلقى دفعاته بالذات من التناظر والجدال والسجال.

ففي الأدبيات الفقهية سرى المثل: «من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه»، ثم كتاب الطبري الشيق في اختلاف الفقهاء. وفي ميدان علم الكلام، هل من اللازم التذكير بأهم حلقاته ومحطاته لإدراك أن بنيته-كما يدل على ذلك الاسم-إنما قامت بممارسة السجال وجدلية النفي والإثبات، مما أفرز مصطلحات صراعية مشهورة: دفاع، رد، إقحام، إبطال، فضيحة، إنصار، انتصار...

2

وأما الفلسفة في تاريخنا الوسيط، فالأمثلة على دور السجال الإيجابي في سوق الطروحات ودينامية ابتكار الأفكار كثيرة متنوعة، أشهرها يتمثل في حملة الغزالي على ما سماه تهافت الفلاسفة، وفي رد ابن رشد عليها في تهافت التهافت، والقصة مشهورة.

هذا فضلا عن حضور السجال في تراثنا الأدبي والنقدي-وما أوسعه وأثراه!-في مؤلفات ابن الأثير وابن سلام والآمدي والقاضي الجرجاني صاحب مصنف ممتع هو الوساطة بين المتنبي وخصومه. علاوة على المؤلفين الشهيرين: "البيان والتبيين للجاحظ" و"رسالة الغفران للمعري"، إلخ.

وحتى إلى الأمس القريب كان الحسّ السجالي يمارس حريته وحقوقه حول قضايا أدبية واجتماعية كبيرة، منها مثلا: إشكالية صحة الشعر الجاهلي، ثنائية الفصحى والعاميات، صراع القديم والجديد في ضروب القول والإبداع. ومنها كذلك ما يتعلق بالحريات والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، وتحرير المرأة، إلى غير ذلك من شؤون الفكر والناس...

يمكن توسيع دائرة التذكير إلى مجال الآداب الغربية حيث تطالعنا كثرة من النصوص "البوليميكية" والتقابلات والمعارضات، التي بدونها ما كان للفكر في الغرب أن تكون له لحمة وتاريخ. ففي هذا المجال الأخير-ونكتفي بالتلميح إلى أقرب الأمثلة إلينا-هل كانت مثالية هيچل المطلقة أن تقوم لولا معارضتها لكل من كانط وفخته وشيلنچ؟ وهل كان لماركس أن يبدع ماديته التاريخية والجدلية لولا نضاله الفكري ضد مثالية هيچل والاشتراكية الطوباوية والاقتصاد الكلاسيكي البورجوازي؟ وهل كان لكيركجورد أن يبدع الفلسفة الوجودية لو لم يواظب على معارضة هيچل والاحتجاج الصارخ على فلسفته النسقية؟ ونيتشه-الذي قال أكثر من مرة إنه لم يكتب في حياته إلاّ نصوصا سجالية، أي ضد الدوغمائيات والأفكار الانهيارية-هل يمكن فهمه من دون اعتبار مناهضته العنيفة لأعلام معاصرين له، يأتي في مقدمتهم شوبنهاور وڤاچنير؟ وكيف ننسى السجالات الممتعة في ثقافة فرنسا الستينيات والسبعينيات حول قضايا فكرية وأدبية كبرى مثل النقد الجديد (بارث/ بيكار...)، والوجودية (سارتر/ لوكاش...)، والبنيوية (ألتوسير/ آرون...)، والفلاسفة الجدد وما كتبه ضدهم شاتلي وديلكور، وكتابات ميشل أونفري، خصوصا في تاريخ الفلسفة المضاد، وفرويد، أفول إيقونة.

أما كاتب هذه السطور، فقد كانت ممارستي للسجال بالمنظور الذي سقته، وهي ممارسة تدل عليّ وتنم جوهريا عن ذهنيتي ونصيبي الثقافي وعن بصماتي الشخصية وانضوائي الذاتي، وعلى سبيل التمثيل أذكِّر هنا بعناوين مقالات نشرتها على صفحات هسبريس، وكنت مع بعضها في حالة فكرية "ساخنة" ومطارحة حجابية ومع بعضها الآخر في موقع اختلاف موقفيٍّ بين.

ومن تلك العناوين: أدونيس متدهورا/ يوسف زيدان ومفرقعاته المبللة/ لإنقاذ الإسلام من عبث التعتيم/ محمد أركون بين الاختزال والافتراء/ عن المدجنين الجدد/ فضاءاتنا واكتساح الحرف اللاتيني/ شاعر فرنكوفوني يمأسس نفسه/ عن غلاة الأمازيغية/ مساءلة فقهائنا في إقامة التماثيل المنحوتة/ ليس دفاعا عن الوزراء/ عيوش مشرملا/ السينما المغربية والثالوث المدنس، الخ.

أما الردود التي حصلت ولم تلزم الحياد المبرم، فإنها تترواح بين المباركة الشحيحة التي لا تفيد المعرفة ولا الحوار وبين جملٍ مكرورة منزوعة الدليل والحجة، من صنف "قد قسوت" أي "قسحت الكلام" أو أنت مثير للجدل وحتى الشغب، وسوى ذلك مما ينمي الخمول والتعامل السطحي مع "الأسماء الوازنة" كأيقونات وماركات مسجلة لا تُعلم بواطنها ولا مضامينها المركبة. وهكذا يسود كلام اللامعرفة وينتشر العزوف عن زحزحة دار لقمان وتحريك السواكن والمياه الراكدة.

3

أخبار ذات صلة

0 تعليق